القاضي عبد الجبار الهمذاني
237
المغني في أبواب التوحيد والعدل
الحجة عليه ؛ لأنه إذا كان مع قيامها فيه مكابرا ، فبأن يصح أن يكابر فيما نورده أولى . . أو لا يكون بهذه الصفة ، فلا وجه لمكالمته ، لأنه لا فائدة في إظهار الحجة عليه . . ولو أن مكابرا ادعى أنه صلى اللّه عليه ، لم يدع النبوّة أصلا ، لكان كمن قال : لم يكن في الدنيا ، ولا كان أوّلا بمكة ، ثم هاجر إلى المدينة ، ولم يكن منه محاربة في الأيام المعروفة ، ولا اختص بمن « 1 » اشتهر من أصحابه ؛ إلى غير ذلك ؛ فإذا لم يمكن في هذا القائل إلا أن يرد إلى ما نعرفه بالأخبار ويعد مكابرا ، فكذلك القول في القرآن ؛ لأن تكرره على الأسماع من جهته ، وتعليمه لهم ، وأخذهم عنه ، وجعله شعاره ودثاره ، وإيراده ذلك على الوفود الواردين ، ودلالته على أنه المختص به دون غيره أظهر من كثير من الأمور ، التي ذكرناها . فإن قال : فيجب فيمن خالف في ذلك أن يكون مكابرا جاحدا . قيل له : كذلك نقول ؛ ولا يكاد يوجد من يذكر ذلك إلا الآحاد ؛ وإلا فالأمر ظاهر في أنه ، صلى اللّه عليه ، كان يجعله دلالة نبوّته ، ويتحدى به ، كما أن الأمر ظاهر في أنه ، صلى اللّه عليه ، ادعى النبوّة ؛ ومعرفة المكذب كمعرفة المصدق ، ومعرفة الذمي كمعرفة الملّى . . على أنه يقال لهذا السائل : هل تعلم أنه صلى اللّه عليه ، ادعى النبوّة ، طول أيامه التي كان فيها بمكة ، ثم بالمدينة ؟ . فإن قال : لا . . قيل له : فجوز إذن أن يكون المدعى للنبوّة غيره في تلك الأيام ؛ وأن يكون صلى اللّه عليه ، تابعا له ؛ وخفى ذلك ؛ وجوز أن يكون كواحد منهم ، في أنه لم يظهر لنفسه مزية ؛ بل جوز أن لا يكوّن في الدنيا ، أو كان بخراسان دون الحجاز . . ومن بلغ هذا الحد خرج عن العقل ! ! .
--> ( 1 ) في « ص » من .